محمد الريشهري
2184
ميزان الحكمة
بعده : * ( اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا ) * حيث يدل أولا : على أن الكتاب الذي يخرج له هو كتابه نفسه لا يتعلق بغيره ، وثانيا : أن الكتاب متضمن لحقائق أعماله التي عملها في الدنيا من غير أن يفقد منها شيئا ، كما في قوله : * ( يقولون يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ) * الكهف : 49 ، وثالثا : أن الأعمال التي أحصاها بادية فيها بحقائقها من سعادة أو شقاء ، ظاهرة بنتائجها من خير أو شر ظهورا لا يستتر بستر ولا يقطع بعذر ، قال تعالى : * ( لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد ) * ق : 22 . ويظهر من قوله تعالى : * ( يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء ) * آل عمران : 30 ، أن الكتاب يتضمن نفس الأعمال بحقائقها دون الرسوم المخطوطة على حد الكتب المعمولة فيما بيننا في الدنيا ، فهو نفس الأعمال يطلع الله الإنسان عليها عيانا ، ولا حجة كالعيان . وبذلك يظهر أن المراد بالطائر والكتاب في الآية أمر واحد وهو العمل الذي يعمله الإنسان ، غير أنه سبحانه قال : * ( ونخرج له يوم القيامة كتابا ) * ففرق الكتاب عن الطائر ولم يقل : * ( ونخرجه ) * لئلا يوهم أن العمل إنما يصير كتابا يوم القيامة وهو قبل ذلك طائر وليس بكتاب ، أو يوهم أن الطائر خفي مستور غير خارج قبل يوم القيامة فلا يلائم كونه ملزما له في عنقه . وبالجملة : في قوله : * ( ونخرج له ) * إشارة إلى أن كتاب الأعمال بحقائقها مستور عن إدراك الإنسان ، محجوب وراء حجاب الغفلة ، وإنما يخرجه الله سبحانه للإنسان يوم القيامة فيطلعه على تفاصيله ، وهو المعني بقوله : * ( يلقاه منشورا ) * . وفي ذلك دلالة على أن ذلك أمر مهيأ له غير مغفول عنه ، فيكون تأكيدا لقوله : * ( وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ) * ، لأن المحصل أن الإنسان ستناله تبعة عمله لا محالة : أما أولا فلأنه لازم له لا يفارقه ، وأما ثانيا فلأنه مكتوب كتابا سيظهر له فيلقاه منشورا . قوله تعالى : * ( اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا ) * أي يقال له : اقرأ كتابك . . . إلخ . وقوله : * ( كفى بنفسك ) * الباء فيه زائدة للتأكيد ، وأصله كفت نفسك ، وإنما لم يؤنث الفعل لأن الفاعل مؤنث مجازي يجوز معه التذكير والتأنيث ، وربما قيل : إنه اسم فعل بمعنى اكتف والباء غير زائدة ، وربما وجه بغير ذلك . وفي الآية دلالة على أن حجة للكتاب قاطعة بحيث لا يرتاب فيها قارئه ولو كان هو المجرم نفسه ، وكيف لا ؟ ! وفيه معاينة نفس العمل وبه الجزاء ، قال تعالى : * ( لا تعتذروا اليوم إنما تجزون ما كنتم تعملون ) * التحريم : 7 . وقد اتضح مما أوردناه - في وجه اتصال قوله : * ( ويدع الإنسان بالشر ) * الآية بما قبله - وجه اتصال هاتين الآيتين أعني قوله : * ( وكل إنسان ألزمناه طائره - إلى قوله : - حسيبا ) * . فمحصل معنى الآيات - والسياق سياق التوبيخ واللوم - أن الله سبحانه أنزل القرآن